صديق الحسيني القنوجي البخاري

376

فتح البيان في مقاصد القرآن

على ما قبلها من ظهور أنه وحي مبين ، وليس مما يقولون في شيء أي أين تعدلون عن هذا القرآن وعن طاعته ، قاله قتادة : وقال الزجاج : معناه أي طريق تسلكون أبين من هذه الطريقة التي قد بينت لكم . وهذا استظلال لهم كما يقال لتارك الجادة اعتسافا أو ذهابا في جنبات الطريق أين تذهب وإلى أين تذهب ، وحكى الفراء عن العرب ذهبت الشام وخرجت العراق وانطلقت السوق أي إليها قال سمعناه في هذه الأحرف الثلاثة يريد إلى أي أرض تذهب فحذف إلى إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ أي ما القرآن إلا موعظة للخلق أجمعين ، وتذكير لهم . وقوله : لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ بدل من العاملين بإعادة الجار ومفعول المشيئة أَنْ يَسْتَقِيمَ أي لمن شاء منكم الاستقامة على الحق والإيمان والطاعة . وَما تَشاؤُنَ الاستقامة إِلَّا أَنْ أي بأن يَشاءَ اللَّهُ تلك المشيئة فأعلمهم سبحانه أن المشيئة في التوفيق إليه وأنهم لا يقدرون على ذلك إلا بمشيئة اللّه وتوفيقه ، ومثل هذا قوله سبحانه وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ [ يونس : 100 ] وقوله : وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ [ الأنعام : 111 ] وقوله : إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ [ القصص : 56 ] والآيات القرآنية في هذا المعنى كثير . والخطاب هنا ليس للمخاطبين في قوله : فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ بل هو لمن عبر عنهم بقوله : لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ رَبُّ الْعالَمِينَ أي مالك الخلق أجمعين . عن أبي هريرة قال « لما نزلت لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ قالوا الأمر إلينا إن شئنا استقمنا وأن شئنا لم نستقم فهبط جبريل على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال كذبوا يا محمد وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ » أخرجه ابن أبي حاتم وابن مردويه .